الشنقيطي
110
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
لزوم الهدي بالإحصار لمن أراد التحلل به ، دلالة واضحة كما ترى ، فإن عجز المحصر عن الهدي فهل يلزمه بدل عنه أو لا ؟ قال بعض العلماء : لا بدل له إن عجز عنه ، وممن قال لا بدل لهدي المحصر أبو حنيفة - رحمه اللّه - ، فإن المحصر عنده إذا لم يجد هديا يبقى محرما حتى يجد هديا ، أو يطوف بالبيت . وقال بعض من قال بأنه لا بدل له ، إن لم يجد هديا حل بدونه ، وإن تيسر له بعد ذلك هدي أهداه . وقال جماعة : إن لم يجد الهدي فله بدل ، واختلف أهل هذا القول في بدل الهدي . فقال بعضهم : هو صوم عشرة أيام قياسا على من عجز عما استيسر من الهدي في التمتع ، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ، وهو إحدى الروايات عن الشافعي ، وأصح الروايات عند الشافعية في بدل هدي المحصر أنه بالإطعام ، نص عليه الشافعي في كتاب الأوسط ، فتقوم الشاة ويتصدق بقيمتها طعاما ، فإن عجز صام عن كل مد يوما ، وقيل : إطعام كإطعام فدية الأذى وهو ثلاثة آصع لستة مساكين ، وقيل : بدله صوم ثلاثة أيام ، وقيل : بدله صوم بالتعديل ، تقوم الشاة ويعرف قدر ما تساوي قيمتها من الأمداد ، فيصوم عن كل يوم مدّا ، وليس على شيء من هذه الأقوال دليل واضح ، وأقربها قياسه على التمتع ، واللّه تعالى أعلم . الفرع الثالث : هل يلزم المحصر إذا أراد التحلل حلق أو تقصير أو لا يلزمه شيء من ذلك ؟ اختلف العلماء في هذا ، فذهب الإمام أبو حنيفة - رحمه اللّه - ومحمد ، إلى أنه لا حلق عليه ولا تقصير ، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ، وهو ظاهر كلام الخرقي . واحتج أهل هذا القول بأن اللّه قال : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [ البقرة : 196 ] ، ولم يذكر الحلق ولو كان لازما لبيّنه . واحتج أبو حنيفة ومحمد لعدم لزوم الحلق ، بأن الحلق لم يعرف كونه نسكا إلا بعد أداء الأفعال ، وقبله جناية ، فلا يؤمر به ، ولهذا العبد والمرأة إذا منعهما السيد والزوج لا يؤمران بالحلق إجماعا . وعن الشافعي في حلق المحصر روايتان مبنيتان على الخلاف في الحلق ، هل هو نسك أو إطلاق من محظور ؟ وذهب جماعة من أهل العلم منهم مالك وأصحابه إلى أن المحصر عليه أن يحلق ، قال مقيده - عفا اللّه عنه - : الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل هو ما ذهب إليه مالك وأصحابه من لزوم الحلق ، لقوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ